الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

201

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

مفعولي ( رأيت ) . و ثُمَّ جاءَهُمْ معطوف على جملة الشرط المعترضة ، و ثُمَّ فيه للترتيب والمهلة ، أي جاءهم بعد سنين . وفيه رمز إلى أن العذاب جائيهم وحالّ بهم لا محالة . و ما كانُوا يُوعَدُونَ موصول وصلته . والعائد محذوف تقديره : يوعدونه . وجملة : ما أَغْنى عَنْهُمْ سادة مسدّ مفعولي ( رأيت ) لأنه معلّق عن العمل بسبب الاستفهام بعده . و ما كانُوا يُمَتَّعُونَ موصول وصلته . والعائد محذوف تقديره : يمتعونه . والمعنى : أعلمت أن تمتيعهم بالسلامة وتأخير العذاب إن فرض امتداده سنين عديدة غير مغن عنهم شيئا إن جاءهم العذاب بعد ذلك . وهذا كقوله تعالى : وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ [ هود : 8 ] ، وذلك أن الأمور بالخواتيم . في « تفسير القرطبي » : روى ابن شهاب أن عمر بن عبد العزيز كان إذا أصبح أمسك بلحيته ثم قرأ : أَ فَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ ثم يبكي ويقول : نهارك يا مغرور سهو وغفلة * وليلك نوم والردى لك لازم فلا أنت في الأيقاظ يقظان حازم * ولا أنت في النّوّام ناج فسالم تسرّ بما يفنى وتفرح بالمنى * كما سرّ باللذات في النوم حالم وتسعى إلى ما سوف تكره غبّه * كذلك في الدنيا تعيش البهائم ولم أقف على صاحب هذه الأبيات قال ابن عطية : ولأبي جعفر المنصور قصة في هذه الآية . ولعل ما روي عن عمر بن عبد العزيز روي مثيله عن المنصور . [ 208 ] [ سورة الشعراء ( 26 ) : آية 208 ] وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ لَها مُنْذِرُونَ ( 208 ) تذكير لقريش بأن القرى التي أهلكها اللّه والتي تقدم ذكرها في هذه السورة قد كان لها رسل ينذرونها عذاب اللّه ليقيسوا حالتهم على أحوال الأمم التي قبلهم . والاستثناء من أحوال محذوفة . والتقدير : وما أهلكنا من قرية في حال من الأحوال إلا في حال لها منذرون . وعرّيت جملة الحال عن الواو استغناء عن الواو بحرف الاستثناء ، ولو ذكرت الواو لجاز كقوله في سورة الحجر [ 4 ] إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ . وعبّر عن الرسل بصفة الإنذار لأنه المناسب للتهديد بالإهلاك . [ 209 ] [ سورة الشعراء ( 26 ) : آية 209 ] ذِكْرى وَما كُنَّا ظالِمِينَ ( 209 )